Tuesday, December 29, 2009

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

هذه القصة العجيبة أوردها الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" /كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر/ باب: في أمر الأمراء و السلاطين بالمعروف و نهيهم عن المنكر، و لنا فيها بإذن الله تعالى الكثير من العظات و العبر:

عن ابن عمران الجوني قال: لما ولي هارون الرشيد الخلافة زاره العلماء فهنوه بما صار اليه من أمر الخلافة ، ففتح بيوت الأموال و أقبل يجيزهم بالجوائز السنية ، و كان قبل ذلك يجالس العلماء و الزهاد ، و كان يظهر النسك و التقشف ، و كان مؤاخيا لسفيان بن سعيد بن المنذر الثوري قديما ، فهجره سفيان و لم يزره ، فاشتاق هارون الى زيارته ليخلو به و يحدثه فلم يزره و لم يعبأ بموضعه و لا بما صار اليه ، فاشتد ذلك على هارون فكتب اليه كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هارون الرشيد أمير المؤمنين الى أخيه سفيان بن سعيد بن المنذر، أما بعد ، يا أخي ، قد علمت أن الله تبارك و تعالى واخى بين المؤمنين و جعل ذلك فيه و له ، و اعلم : أني قد واخيتك مؤاخاة لم أصرم بها حبلك و لم أقطع منها ودك ، واني منطو لك على أفضل المحبة و الارادة ، و لولا هذه القلادة التي قلدنيها الله لأتيتك و لو حبوا ، لما أجد لك في قلبي من المحبة ، و اعلم يا أبا عبد الله: أنه ما بقي من اخواني و اخوانك أحد الا و قد زارني و هناني بما صرت اليه ، و قد فتحت بيوت الأموال و أعطيتهم من الجوائز السنية ما فرحت به نفسي و قرت به عيني و اني استبطأتك فلم تأتني ، و قد كتبت لك كتابا شوقا مني اليك شديدا ، و قد علمت يا أبا عبدالله ما جاء في فضل المؤمن و زيارته و مواصلته ، فاذا ورد عليك كتابي فالعجل العجل. فلما كتب الكتاب التفت الى من عنده فاذا كلهم يعرفون سفيان الثوري و خشونته فقال: عليَ برجل من الباب ، فادخل عليه رجل يقال له عباد الطالقاني. فقال: يا عباد ، خذ كتابي هذا فانطلق به الى الكوفة ، فاذا دخلتها فسل عن قبيلة بني ثور ، ثم سل عن سفيان الثوري فإذا رأيته فألق كتابي هذا إليه ، وع بسمعك و قلبك جميع ما يقول ، فأحص عليه دقيق أمره و جليله لتخبرني بهز فأخذ عباد الكتاب و انطلق به حتى ورد الكوفة فسأل عن القبيلة فأرشد إليها ، ثم سأل عن سفيان فقيل له: هو في المسجد. قال عباد: فأقبلت الى المسجد فلما رآني قام قائما و قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، و أعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بخير. قال عباد: فوقعت الكلمة في قلبي فجرحت ، فلما رآني نزلت بباب المسجد قام يصلي و لم يكن وقت صلاة ، فربطت فرسي بباب المسجد و دخلت فإذا جلساؤه قعود قد نكسوا رؤوسهم ، كأنهم لصوص قد ورد عليهم السلطان فهم خائفون من عقوبته ، فسلمت فما رفع أحد إليَ رأسه و ردوا السلام عليَ برؤوس الأصابع ، فبقيت واقفا فما منهم أحد يعرض عليَ الجلوس ، و قد علاني من هيبتهم الرعدة و مددت عيني إليهم فقلت: إن المصلي هو سفيان فرميت بالكتاب إليه ، فلما رأى الكتاب ارتعد و تباعد منه كأن حية عرضت له في محرابه ، فركع و سجد و سلم و أدخل يده في كمه و لفها بعباءته و أخذه ، فقلبه بيده ثم رماه الى من كان خلفه و قال: يأخذه بعضكم يقرؤه ، فإني أستغفر الله أن أمسَ شيئا مسَه ظالم بيده. قال عباد: فأخذه بعضهم فحله كأنه خائف من فم حية تنهشه ، ثم فضه و قرأه ، و أقبل سفيان يتبسم تبسم المتعجب ، فلما فرغ من قراءته قال: اقلبوه و اكتبوا الى الظالم في ظهر كتابه ، فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به ، و إن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلى به ، ولا يبقى شيء مسَه ظالم عندنا فيفسد علينا ديننا ، فقيل له: ما نكتب؟ فقال: اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم ، من العبد المذنب سفيان بن سعيد بن المنذر الثوري، الى العبد المغرور بالآمال هارون الرشيد الذي سلب حلاوةالإيمان.
أما بعد: فإني قد كتبت إليك أعرفك أني قد صرمت حبلك و قطعت ودك و قليت موضعك، فإنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك بما هجمت به على بيت مال المسلمين، فأنفقته في غير حقه و أنفذته في غير حكمه، ثم لم ترض بما فعلته و أنت ناء عني حتى كتبت إليَ تشهدني على نفسك. أما إني قد شهدت عليك أنا و إخواني الذين شهدوا قراءة كتابك، و سنؤدي عليك الشهادة غدا بين يدي الله تعالى، يا هارون، هجمت عاى بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم و العاملون عليها في أرض الله تعالى و المجاهدون في سبيل الله و ابن السبيل؟ أم رضي بذلك حملة القرآن و أهل العلم و الأرامل و الأيتام؟ أم هل رضي بذلك خلق من رعيتك؟ فشدَ يا هارون مئزرك و أعدَ للمسألة جوابا و للبلاء جلبابا، و اعلم: أنك ستقف بين يدي الحكم العدل، فقد رزئت في نفسك إذ سلبت حلاوة العلم و الزهد، و لذيذ القرآن و مجالسة الأخيار، و رضيت لنفسك أن تكون ظالما و للظالمين إماما، يا هارون، قعدت على السرير و لبست الحرير، و أسبلت سترا دون بابك و تشبهت بالحجبة برب العالمين، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك و سترك، يظلمون الناس و لا ينصفون، يشربون الخمور و يضربون من يشربها، و يزنون و يحدون الزاني! و يسرقون و يقطعون السارق! أفلا كانت هذه الأحكام عليك و عليهم قبل أن تحكم بها على الناس؟ فكيف بك يا هارون غدا إذا نادى المنادي من قبل الله تعالى: "احشروا الذين ظلموا و أزواجهم" (الصافات:22) – أي الظلمة و أعوان الظلمة-. فقدمت بين يدي الله تعالى؛ و يداك مغلولتلن الى عنقك لا يفكهما إلا عدلك و إنصافك، و الظالمون حولك و أنت لهم سابق و إمام الى النار، كأني بك يا هارون و أخذت بضيق الخناق و وردت المساق، و أنت ترى حسناتك في ميزان غيرك و سيئات غيرك في ميزانك زيادة عن سيئاتك، بلاء على بلاء و ظلمة فوق ظلمة، فاحتفظ بوصيتي و اتعظ بموعظتي التي و عظتك بها، و اعلم: أني نصحتك و ما أبقيت لك في النصح غاية، فاتق الله يا هارون في رعيتك، و احفظ محمدا صلى الله عليه و سلم في أمته، و أحسن الخلافة عليهم، و اعلم: أن هذا الأمر لو بقي لغيرك لم يصل إليك، و هو صائر الى غيرك، و كذا الدنيا تنتقل بأهلها واحدا بعد و احد، فمنهم من تزود زادا نفعه، و منهم من خسر دنياه و آخرته، و إني أحسبك يا هارون ممن خسر دنياه و آخرته، فإياك إياك أن تكتب لي كتابا بعد هذا فلا أجيبك عنه، و السلام.
قال عباد: فألقى إليَ الكتاب منشورا غير مطويٍ و لا مختوم، فأخذته و أقبلت الى سوق الكوفة و قد و قعت الموعظة من قلبي فناديت: يا أهل الكوفة، فأجابوني فقلت لهم: يا قوم، من يشتري رجلا هرب من الله الى الله؟ فأقبلوا إليَ بالدنانير و الدراهم، فقلت: لا حاجة لي في المال، ولكن جبة صوف خشنة و عباءة قطوانية، قال: فأتيت بذلك و نزعت ما كان عليَ من اللباس الذي كنت البسه مع أمير المؤمنين، و أقبلت أقود البرذون و عليه السلاح الذي كنت أحمله؛ حتى أتيت باب أمير المؤمنين هارون حافيا راجلا، فهزأ بي من كان على باب الخليفة. ثم استؤذن لي، فلما دخلت عليه و بصر بي على تلك الحالة قام و قعد، ثم قام قائما و ظل يلطم رأسه و وجهه، و يدعو بالويل و الحزن و يقول: انتفع الرسول و خاب المرسل، ما لي و للدنيا؟ ما لي و لملك يزول عني سريعا؟ ثم ألقيت الكتاب إليه منشورا كما دفع إلي. فأقبل هارون يقرؤه و دموعه تنحدر من عينيه، و يقرأ و يشهق فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، لقد اجترأ عليك سفيان، فلو وجهت إليه فأثقلته بالحديد و ضيقت عليه السجن كنت تجعله عبرة لغيره. فقال هارون: اتركونا يا عبيد الدنيا، المغرور من غررتموه، و الشقي من أهلكتموه. و إن سفيان أمَة و حده فاتركوا سفيان و شأنه. ثم لم يزل كتاب سفيان الى جنب هارون يقرؤه عند كل صلاة حتى توفي رحمه الله. فرحم الله عبدا؛ نظر لنفسه، و اتقى الله فيما يقدم عليه غدا من عمله؛ فإنه عليه يحاسب و به يجازى، و الله وليُ التوفيق.

No comments:

Post a Comment